احسوها بقلبي ...ولا تقرؤوا فيها جماد الحروف

marrokia

ألم خانق وغضب كبير تملكني حينها ...لم أعرف ابدا كيف اتصرف أو ماذا أفعل...توقف دماغي فجأة عن التفكير في تلك اللحظة كأنما أراد ان يعاقبني لاني عذبته ليالي طوال بحثه وارغامه على الكتابة ليل نهار ولا شيء سواها...ورافقته يداي اللتان لم تطاوعاني ولم تستطيعا ابدا امساك القلم البرتقالي وخط ما فكر به آمرها


احترت في أمري....وعرفت أن يومي سيكون صعبا ..فما اعتدت ان أحيا ليلة بنهارها دون أن تخط اناملي أشعارا ومواقفا وقصصا...لكن في ذلك اليوم العجيب , أبى كل من ساعدني قديما أن ينفذ ما شعرت به ...مما أضاف لي شعورا بالخذلان  من أعز ما ملكت يوما.............تفكيري ; يدي ; وقلمي العجيب....


لم أعرف حينها ماذا أفعل او كيف أتصرف أو مع من أتكلم............تمر الدقائق وأنا أحاول العبث بشاشة التلفاز أبحث عن برنامج أو مسلسل لم أعرف أبدا ما هو...ولم أجد نفسي بعدها الا حاملة حقيقبتي ومغلقة باب منزلي لأذهب لوجهة لم اعرف ما هي .......


خطوت بضع خطوات في اتجاه محطة الطاكسيات...لترفض قدماي التوقف بعدها ; كأنما تقولان لي : دعينا نعيش فقد أصبحنا جامدتين  بقلة الحركة ليالي طوال ....مشيت ومشيت وأنا أتأمل  مناظر مدينة عشقتها حتى النخاع ......... مررت من أمامه مثل عادتي كل صباح...هاته المرة استوقفت نفسي بنفسي ; وجمدت دون حراك ...رأيته مختلفا بعدما كنت دائمة المرور امامه دون ان اهتم به , فمثل مقامه لم يكن ابدا يستهويني او يثير فضولي...لكن هاته المرة ..شيء جذبني وجعلني اقف امامه .........واطيل الوقفة التي جعلت المرور يستغربونها ويستغربون معها حال هاته العجيبة الجامدة امام ضريح ولي من الصالحين..............

 

لطالما درست عنهم وعن حياتهم ; لكني لم اكلف نفسي ابدا عناء زيارتهم وتفقد مراقدهم الاخيرة ..ولعل ضريح سيدي يوسف بن علي كان اول من ألهمني لأقضي يومي بين احضانهم ; أزورهم وأحدثهم فما احب على قلب العاشقة العجيبة من قلوب عشاقها السبعة


كنت أرفض وما زلت زيارة الاضرحة والتبرك مثل العديد من البشر , بأناس عظماء , لذلك منعت نفسي من دخول ضريحه واكتفيت باجتياز البهو الاول فقط , وبدأت بعدها اتجول هنا وهناك لارى اين يرقد من أفتخر بانتمائي لحيه ولمدينته


عشقت فيه زهده وورعه وابتعاده عن الدنيا...رفضه للسلطة التي تجعل الكل يتهافتون عليها واكتفاؤه بالتقرب من الذي خلقه ليجعل حياته كلها له , مليئة بحب ربه وبالعمل على ارضائه


تذكرت في جولتي كل من أعرفهم يحملون هذا الاسم الرائع : نبي الله يوسف أجمل ما خلق ربي , و مؤسس مدينتي الغالية ابن تاشفين ;من منحني  شرف ان اكون ابنة من اعشقها حتى النخاع..رأيت بعدها كتاب وشعراء حملوا هذا الاسم بافتخار ورأيت اخيرا اصدقاء احبهم في الله ; عشقوا معي سحر الحمراء فكانوا عندي خير الاصدقاء

وقفت أمام صورته , رفعت يدي للسماء عالية قارئة الفاتحة ومترحمة على معشوقي , داعية له بالرحمة والغفران واملة من ربي العلي ان يبقيه حيا في قلبي لا يزول الا بزوال روحي

استكملت مسيرتي لزيارة من بقي من عشاقي السبعة..وما أدري سبب الابتسامة التي بدأت   ترتسم على وجهي ; شعور بالسعادة غمرني بعدها ولم أحس أبدا بألم قدمي اللتان داستا كيلومترات عديدة ولم يشعرا بتعب مثلما شعرا  بالرغبة في اكمال السير..

طرقات جميلة وأحياء حمراء منمقة, رأيتها حين مررت في المدينة القديمة, منطقة كنت اخشاها فما علمت عنها سوى أنها مكان يجمع سارقين ومتسولين ومتشردين لكني تفاجأت حينما رأيت فنا مجسدا : منازل في قمة الرقي الثراثي ووجوه تنطق بالبشر مجسدا لي في ملامحها السمراء ; ابتسامة لا تفارقهم , برؤيتها على شفاههم تذكرت انها غابت عني في هذا اليوم بعدما رافقتني لسنوات طوال , احسست بعدها اني خذلت عزيزتي بعدما تنازلت عن رمز من رموزها


شعرت بالبهجة وأنا اجول بين اروقة سيدي بلعباس وسيدي سليمان , شخصان اعزهما رحمهما الله , فعلمهما وتاريخ نضالهما قد ميز المدينة منذ أزل , وكل الفخر لي حينما انتمني لبيتهما وفخر أكبر لأني اليوم بين أحضانهما


استمريت هكذا , انتقل من حي لحي رفقة خريطة ابتعتها من مكتبة الضريح , لم أظن يوما اني كنت بحاجة اليها لأن غروري جعلني أتيقن من أني اعرف مدينتي جيدا وألوم كل من يقطنها ولا يعرف عنها شيئا , حتى أتى يومي هذا لأعلم فيه جهلي لمن احب وعدم ادراكي أن جمالها يفوق كل ما تصورته


قادتني قدماي أخيرا عند مول القصور وسيدي عبد العزيز ; أزعجني اولئك الذين اتخذوا من مقامات رجالي أماكن لعباداتهم فما يفعلونه من شرك كان يناقض قيم وأخلاق الرجال السبعة المتديننين ; عاتبتهم في نفسي لأنهم يسيئون لدينهم ولنفسهم وبعد ذلك يسيئون لرجال شرفاء كان توحيد الله واخلاص العبادة له أهم ما يدعون اليه

مرت السبع ساعات مسرعة وحل الظلام القاتم ; فلم اجد بعده وسيلة لزيارة حبيبي الاخرين : الامام والقاضي ; لكني وقفت لحظة ترحما عليهما وقرأت سورا من كلام ربي داعية لهما بالرحمة والغفران.....


ما عهدت  سوى أن الظلام يعني الخلاء ويجلب احساسا  بالخوف ; لكن حمرائي جمالها يزداد عند ظلامها; وظلامها يزيدني هياما بها , أكدت على نفسي أن امر بساحة الفناء  في طريق عودتي , فرؤيتها كانت دائما تزيل هما كبيرا علي ; وكانت دائما مصدر الهام لي ; تعني لي الكثير وأفرح حينما أتجول فيها ...لم أقف يوما في ""حلقة"" من حلقاتها ; فقد كنت اتذكر دائما زجر والدي لنا ومنعنا من الوقوف فيها لسبب لم أعرفه الا حينما كبرت وعلمت أن مدينتي كبرت معي , فصار الغريب فيها أكثر من أصحاب الوجوه السمراء التائية الذين عشقتهم وعشقت ابتسامتهم


عدت الى منزلي وكلي فرح بما رأت عيناي في يوم عشته بين أحضان سبعة رجال عشقتهم ; يوم أعدت فيه حنيني لمدينتي ورأيت فيه أشياء جهلتها أو تجاهلتها ليزداد بعد ذلك حبي لها .....توجهت مباشرة لقلمي وبدأت أخط هاته الكلمات ....

توقفت قليلا ; دمعت عيناي خوفا وبدأت نبضات قلبي بالتسارع ; تذكرت أن الوجوه السمراء أصبحت تقل هنا , وأن وجوها غريبة عني اجتاحت الحمراء فعاتت فيها فسادا; وجوه منمقة  تعلوها لوحات مكياج مزيف كان  هدفا خنق غاليتي ...تذكرت قول صديق لي ; لام أجدادنا الذين كانوا دائما  يتلون في صلواتهم بدعاء ""الله يعمرك يا مراكش """, ضحكت لأنه ما دام هناك قلوب طيبة مثل قلب صديقي وأخي المراكشي القح, فلاخوف على مراكش ,لأن ابناءها سيبقون أوفياء لها ولن يرضوا أبدا بغير خلودها خلود أعمارهم........

marrakech06

أنهيت كتابتي ...ودعائي ختمته على منهاج اجدادي "" الله يلطف بيك يا غاليتي""

 

 

 

بقلمي