إلى كل القلوب التي عشِقَت ، فَضَحَّتْ
إلى كل ما ماتوا من أجل الوطن
وإلى كل من عاشوا من أجل نفس الوطَن
إلى كل من وقعوا في حيرة الاختيار ،فاتّخَذوا نعم القرار
إلى كل من أحب في الله

nasere_et_oulia

♥ نـَـاصِر وعُـلَـيَّـة ♥..بقلمي

الجزء الاول:لقاء..وفراق

كانت جالسة هناك، في نفس المكان وعلى نفس المقعد ؛ تنتظره قبل الموعد بكثير. تعود منها قبل 3 سنوات أن تصل مبكرة وتطلب فنجان قهوة قبل أن يصل هو متأخرا كما عادته ، ليبدآ حديثهما وبعده دراستهما. لكن هاته المرة كانت مختلفة ، فقد اتصل بها ليطلب لقاء دون أوانه ، ونبرة صوته المتغيرة قد أزعجتها وجعلتها تحتار في التكهن بسبب هذا الاتصال المفاجئ.

سلم عليها فبادلته سلاما ،تركها دقيقة ورجع بفنجان قهوة له. تحركت عيناه في صمت لترمق الوجوه التي يراها في مقصف الكلية ، أطلق سلامات هنا وهناك ، أشخاص يعرفهم وآخرون بالكاد يتذكر ملامحهم ، لكن منظرهم اليوم كان مختلفا بالنسبة له ، كأنه لن يجدد اللقاء أبدا معهم بعد ذلك.
قاطعت حبل أفكاره ، بصوتها الحنون الدافئ الذي كان دوما بلسما يلطفه ويهدئه :

ـ ناصر ، مالْكْ؟؟
ـ مافي شي يا عُليّة ، بس حَبِّيتْ شوف ناس المغرب المغرب لَآخِرْ مرة

ـ آش كتقولْ... قالتها باستغراب حزين

_ اِجا الوقت يا علية، رحْ ارجَعْ لفلسطين بعد أسبوع

صمتت ، فما كانت تملك غير الصمت في ذلك الوقت ، كردة فعل على كلامه الذي لم يكن مفاجئا لها ، فقد كانت تعلم أنه سيعود لوطنه عاجلا أم آجلا ، لكنها كانت تحاول تأجيل العودة ، على الاقل في خيالها الى أجل لم تكن تودُّ أبدا أن تعرفه.

ـ علية..اِدعي معي يا علية..

لم تستطع أبدا أن تقاوم دمعاتها التي تساقطت من عينيها العسليتين ، حملت حقيبتها وخرجت مسرعة. تبعها هو بنفس السرعة . كانا معا يعرفان الوجهة : حديقة الكلية التي جمعتهما والتي ستكون مكان وداعهما..

الجزء الثاني:..هكذا كان اللقاء

كان ولوج عالم الكلية حلما وقد تحقق بالنسبة لها ، أول أيامها كان تحريرا من قيود الوزرة البيضاء والتزامات الحضور والغياب ، لكن الجامعة عالم آخر مختلف ، ومميز أكثر في نظرها لأنها ستدرس المادة التي تحب " القانون ".
لطالما تمنت أن تصبح محامية تخدم مصالح الضعيف وتعيد النصره له ، وتضع حدا لكل أولئك الذين أساؤوا لهاته المهنة وأساؤوا معها لذكرى والدها المتوفي ، جراء حادثة سير ، والذي شوهت وفاته بعد ان صارت جثته مطمعا لمحاميي التعويضات ، في تفاصيل كانت دائما تحاول تجنب الحديث عنها رغم أنها لم تغب أبدا عن ذاكرتها.

أول أيام الجامعة ، متعة ما بعدها متعة. هي وصديقاتها وحلقات النميمة في حديقة الكلية: فلان هذا وفلان ذاك ، جنسية هذا وجنسية ذاك ،أحلام هذا وأحلام ذاك ، وبين حديث هاته وضحكات تلك ، لمحت علية وجها مشرقا يحمل شعارا لطالما أحبته فوق كتفيه. سألت صديقتها عن ذلك الشاب فكان رد هاته الاخيرة ضاحكا :
ـ "مالقيتي ما تْسَولي غير على ناصر، هداك الفلسطيني الوحيد في الجامعة"...ثم أردفت "الله يعمرها دار؛ أجي نعرفك علية" فرفعت صوتها بالنداء : ناصر... يا ناصر...

ولم تحس علية الا وهي أمامه .احمرَّ وجهها ولم تعرف كيف تتصرف ، فقد وضعتها صديقتها في موقف لا تحسد عليه.
ـ ناصر ، بدِّي أقَدِّمْ لَكـْ صديقتي علية ،جديدة بالجامعة وياريت تساعدها بالدروس.
ـ أهلا أهلا علية ،لاباس عليك..قالها بابتسامة وسيمة جافة.
ابتسمت صامتة ، وفي دواخلها دهشة واستغراب من لهجة صديقتها التي تحولت للسان شامي أو فلسطيني محظ لم تفهمه ، وسخرية مازحة من اللهجة المغربية المشوهة لهذا الفلسطيني الوسيم الذي يحاول أن يكون لبقا معها.

توالت ضحكات صديقتها ومعها كلمات الناصر الفلسطيني ،علمت من حديثهما الكثير مما أثار فضولها لكنها أحست بأنها غريبة عن الوضع ، انسحبت في صمت قبل أن تسمع صوتا عذبا يرن في أذنيها:
ـ مع السلامة علية ، اتشرفت بمعرفتك

التفتت وراءها ، ابتسمت لصاحب الصوت وواصلت طريقها ووشعور بالسرور يسكنها

الجزء الثالث:...اعتراف

حاولت كفكفة دموعها فلم تقدر ، بقيت تنظر اليه بعينيها العسليتين نظرة الوداع الأخيرة . حاول أن يهدئ من حالها فلم يقدر ، كيف يهدئ محبة ترى نفسها في لحظات أخيرة قبل أن تخسر من تحب بارادته .

نقاش لطالما تحدثا فيه ، كانت تعلم مسبقا أنه سيعود لوطنه في أحد الأيام ، أخبرها أنها ستحبه أكثر لو علمت سبب رحيله والذي رفض أن يقوله لها ، لكنها لم تتوقع أن يحدث هذا في وقت قصير.
في رمشة عين سوف يختفي ذلك الناصر الذي كان حبيبها وقدوتها وصديقها وأخاها ، كان ملاكها الحارس وكانت قلبه النابض.
كذا كانت علاقتهما ، حبهما يعرفه الجميع ، تكتمه جوارحهما.كانا حبيبين بقناع صديقين ، كل واحد فيهما يعلم مشاعر الاخر دون أن يعترفا. عذرية تلك المشاعر التي حملها ناصر لعلية ، فقد كانت النظرة من عينيها تنسيه كل الهموم ، وتعيد الأمل في قلبه المهاجر الذابل . وكانت كلماته الطيبة بلسما لهاومثبتا لعزيمتها أكثر وأكثر . لكن كل هاته اللحظات والاحساسيس النبيلة سوف تنتهي مع رحيل ناصر..

-قاطع صوته حبل ذكرياتها:
" علية ، رحْ سافِرْ بعد 3 أيام. بِّدي قبل ما سافرْ أسلم على امك الغالية ؛ وبدي كمان انك تكوني بأفضل حال بغيابي.. بدي ياكي تكوني أفضل محامية بالمغرب وتكوني نصرة للمظلومين.. بدي يا علية تحققي أحلامنا..وبدي تدعي معي من قلبك ..الله ينصرنا في اللي عازمين عليه.. وبدي أقلك شي كمان.." ثم صمت بعدها.

رغباته الاخيرة جعلت بكاءها يزداد ؛ لكن كلمته الأخيرة جعلتها توقف دمعاتها ، راغبة في الاستماع أكثر.نظرت اليه بهدوء كأنها تحثه على التكلم
-" علية..أنا بحبِّك يا علية..وأنت بتعرفي آديش بحبِّك!! ماكتب الله اننا نتخرج وبعدين نتزوج ، بس لقانا رح يكون في الجنة ان شاء الله..نحنا روحين يا علية ، لو ماتت واحدة لازم الثانية تكمل المشوار..ادعي لفلسطين يا علية..ادعي لفلسطين"

صمتَتْ ، فلأول مرة تسمع الناصر يتحدث عن الموت بعد أن كان يتمسك بالحياة. نبرة صوته اختلفت هاته المرة ومشاعرها تغيرت معها. أمسكت يده لأول مرة في حياتها ، قالتها بابتسامة كبيرة وبلهجة متغيرة:
-حتى أنا كَنبْغِيكْ يا ناصر...وبزاااااااااااااف
.

الجزء الأخير :...البداية

شغلت جهاز المذياع على موجتها المفضلة ؛ وأرخت العنان لقلمها تكتب يومياتها التي تعودت عليها منذ غادر الناصر أرض المغرب ، فحاولت ملء فراغ الأوقات التي كانت تراه فيها بكتابة رسائل قصيرة تحكي له فيها كل ما كانت تواجهه.
مضى شهر على رحيله وانقطاع أخباره ، وما زالت كلماته الاخيرة ترن في قلبها ، تعودت في غيابه على الخلوة مع نفسها ولم تشاركها الكلمات الا والدتها التي كانت تذكر ناصر بالخير كلما جاء ذكر أخبار فلسطين في التلفاز.

ناصر"
امتحاناتي اقتربت ، وخوفي بدأ يتزايد، أصبحتُ أدرس وحيدة في المنزل بعد أن تعودت على الدراسة برفقتك في الكلية ، لم أفقد تركيزي لكني "أشتاق دوما لفهم بعض الاشياء بطريقتك. قد تلومني لأني لم أتعود، لكني سأحاول مثلما وعدتك

قاطعت حبل أفكارها كلمات مذيعة أرادت أن تنقل خبرا عاجلا من الاراضي الفلسطينية، عن عملية استشهادية جديدة بطلها شاب في العشرينيات من عمره ، انفجرت أشلاءه في قاعدة عسكرية بالضفة الغربية.
أقفلت مذياعها وسارعت خطوها لتشاهد الخبر على احدى القنوات التلفزية المباشرة ، أوقفتها الدهشة والصدمة بعد سماع تعاليق المقدمين : ''منفذ العملية شاب فلسطيني كان يدرس الحقوق في المغرب ، اسمه " ناصر التيمي"، وقد قدم وزير الدفاع الاسرائيلي استقالته بعد هاته العملية التي أسفرت عن مقتل أزيد من 50 جندي يهودي.''
وغابت علية عن الوعي

*******
عزيزتي ناصر ،
بلغني آخر أخبارك السارة، ونتائج اختبارك الأخير، فبعد أن ضحيت بروحك من أجل وطنك سأفي بوعدي وأهدي روحي فأحيا من أجل وطني..ولقاؤنا في الجنة يا ناصر القلب .."

جمعت مذكراتها وأحرقتها بعد أن كتبت كلماتها الاخيرة..

بقلمي

S@Na