ليز فتاة روسية في السابعة والعشرين من عمرها. بملامح سلافية حقيقية. وخصلات شعر ذهبية أصيلة.

وعيون زرقاء تحجبها عني مااستطاعت بنظاراتها الشمسية الراقية

ليز. هذا اسمها. اسم غريب عن الروسيات .هو اقرب إلى الأسماء الانجليزية على ما يبدو. عندما عرفتني على نفسها قالت
اسمي ليز.... إليزابيث-
رفعت حاجبي مستغربا. فهمت قصدي. فأشارت إلي موضحة انه النسخة الروسية للاسم الانجليزي وان الاسم الكامل هو ليزافا.. تتحدث الفرنسية والانجليزية بطلاقة ..لكنها تفضل الفرنسية.. تبدو لها الانجليزية لغة جامدة وجافة... بالإضافة إلى أن رئيسها في العمل هناك في موسكو سويسري الجنسية.. تتحدث عنه بغيظ باد.. فهي تغبطه ما يتقاضاه .فهو يجني- والعهدة عليها- ما يناهز الثلاثين ألف يورو شهريا مع الإقامة في شقة راقية وسط موسكو وسيارة فاخرة.. تتحدث عن موسكو التي أصبحت مركز جذب لكل الجنسيات.. وعن مظاهر الثراء الفاحش الذي تعيشه المدينة الحمراء.. حيت سيارات المرسيدس آخر صيحة لم تعد تثير اهتمام احد بعد غزو العلامات النادرة كل المكان.. تشير إلى أن امتلاك شقة
في موسكو يكفل لك العيش في إحدى دول جنوب شرق آسيا مستجما طوال السنة..فقط بما يعود عليك كرائها

تعتبر نفسها من الروس المحظوظين. فهي على غير عادة أهل البلد تتقن بدل اللغة الأجنبية الواحدة لغتين. في دولة لم يكن يرى مواطنوها ضرورة للاشرئاب وراء ما قد يتراءى.   وهو ميزة لفتاة مثلها تنحدر من أسرة متواضعة نشأت في إحدى ضواحي موسكو. درست بإحدى معاهد موسكو. تكوينها العلمي يؤهلها أن تصبح مدرسة . مهنة لم تمارسها على الإطلاق لان ممارسة التدريس في روسيا اليوم لا يضمن لها مستوى العيش اللائق في وسط الكل يبحث فيه عن مراكمة المال ولاشيء غيره. لذا فبلغتين أجنبيتين لم تجد صعوبة في الحصول على وظيفة مغرية وهو ما يستشف من حديثها  عندما أشارت إلى المعطف ذي الثلاثة آلاف يورو والى سفرياتها الماضية وعلى الرغم من هذا فهي تقدم نفسها على أنها من الطبقة المتوسطة الروسية .لا أنكر أنها أثارت استغرابي بثرثرتها وإسهابها في الحديث غير أنها تتوقف أحيانا برهة ربما عندما تتذكر أنها روسية

هي هنا في زيارتها الأولى . تحدثت لي عن رحلاتها السابقة إلى مصر وتونس وباقي أوربا. دون أن تغفل الإشارة لمدينة كان الفرنسية لكنها لم تسهب إلا في الحديث عن زيارتها لنيويورك حيت تصفها بمركز العالم. وحيت للروس حي خاص بهم   الآن هناك. تقول أن   حركة الطائرات   الحثيثة في الأجواء تشعرك فعلا انك تقف حيث يلتقي الجميع.
اللباقة هي ما ينقص المغاربة في نظرها. تتناول هذا الجانب عاقدة المقارنة بين ما هو عليه الحال في مصر وتونس مشيرة على وجه الخصوص إلى هذه الأخيرة متذكرة سائق التاكسي البشوش والفرح الذي يشركها بالحديث بهجته حول ابنته المقبلة على الزواج وتضع الصورة المقابلة عندنا هاهنا. حيت الوجه المكشر. والابتسامة المفتعلة التي تمنحها الانطباع انه مرحب بها ما دامت تمنح هذا ولا تمسك عن ذاك. تلتفت حولها وتشير إلى الشاطئ   وتعرج مرة أخرى على تونس حيت الشواطئ مملوءة بمعدات الاصطياف للجميع الحق في كرائها   . دون أن تخص رواد كل  فندق على حدة . تتذكر أيضا عامل الفندق المصري الذي كان يمدها بفوطة قبل نزولها إلى الشاطئ وهو يستقبلها ثم يحفها بابتسامة صافية. بالنسبة إليها الإمكانيات في المغرب تفوق نظيرتها في تونس غير أن حرارة الناس وتلقائيتهم هناك أسرتها.
ليز غريبة الأطوار. فهي لم تحب كل هذه الأمور. غير أنها تسال عن الصويرة المجاورة! فهي تريد ركوب الأمواج كما أنها تتمنى أن تقيم في شقة إذا ما عادت مرة أخرى!.

تحب الحديث بإسهاب عن روسيا وقد شجعها على ذلك تجاوبي معها. تعترف أنها اعتنقت الكاثوليكية لمرونتها فالارثودوكسية مذهب شاق عليها حيت الصيام عن بعض المواد الأساسية طقس لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. وحيت الحضور المادي إلى الكنيسة تحكمه تفاصيل معينة. تتوقف هنيهة لتسألني عن ماذا يمكن أن تهديه روسية مثلها لأحد المغاربة .لاتنتظر جوابا. بل تقترح على الفور إمكانية منح زجاجة فودكا . أوضح لها أن الأمر يرتبط بالمهدى إليه فان كان من محبي عائلة ماء الحياة هذا. فان أجنحة قد تنبث له ابتهاجا وفرحا. أما أن كان غير ذلك فربما يحسن بك منحه شيئا آخر تصمت برهة ثم تقترح كافيارا هذه المرة. أبادرها بسؤال   مستوضحا هل روسيا ليست إلا كافيارا وفودكا. تحدثني على إثره عن دمية روسية شهيرة .هن في الواقع ست دمى تحتوي الأكبر حجما على الأصغر حجما قليلا منها وهكذا. ذكرت لي اسمها اسم روسي معقد. يصعب علي تذكره. ولا يعلق بذاكرتي غير ما به من شين وكاف و ما تشابك بينهما.
تتطرق ليزافا هذه المرة لكرة القدم. تشع عيناها وهي تتحدث عن انجاز اليورو الأخير. وتحكي عن سكان موسكو الذين احتفلوا حتى الفجر بانجاز النصر على هولندا. لا تنسى أن تربط هذا النصر بفوز روسيا باليوروفيزيون. ذكرني هذا بأغنية جميلة لتنائي أنثوي روسي ملئت محطات الإذاعة حتى عندنا هنا. استفسرها عن هذا الثنائي المريب. تنفي لي ما يروجانه حولهما فهو لم يكن إلا نوعا من التسويق أطلقت عليه اسم التسويق الفضائحي!. وقد كانت ضربة معلم من مدير اعمالهما في تقديرها!.

محاورتي الروسية غير متزوجة رغم وضعها المادي المريح. ورغم جمالها الروسي الآسر .لا ترغب فيمن يشاركها استقلاليتها وهي لا تعني بهذا الشق المادي. فهذا جانب لا مجال في الخوض فيه بل تعني كينونتها المادية. أو ما تصفه باستقلالها الجسدي!. تشبثها بهذا الأخير ينفرها من الرجال. تقول أن الرجال لم يعودوا يعنونها. غير أنها تتحدث بلكن كبيرة عن الأطفال .هم فقط من لازالت تسعى لإنجابهم. الرجال في موسكو وفق ما تقول زهدوا في النساء لان الهم الأول هو الإثراء بجانب الوجاهة. تقول أنهم أصيبوا بحالة ملل واكتفاء وان التعب بلغ منهم مبلغه لم يعودوا يحتملون معه ولو علاقة حميمية عابرة. فالرجال في موسكو تجاهلوا نساءها أما نساءها فبادلوهم التحية بأحسن منها!. هي تلاحظ أن الأمور مختلفة عندنا. ترى أن الرجال هنا بإشعاعات طافحة!. وتضيف أن هذا يصيبها بالانزعاج ولا يريحها أحيانا بالمرة.   
ليز شامخة. قوية .حسناء. بتحفظ روسي لكن مترددة .لا تعرف ماذا تريد. تصفني حينا بالخجول لكنها لا تقبل تحدي النظر إلى عيني. وتنتقد من خلالي كل من تصفهم بالعرب عندما تخضعني لما تدعي أنها القواعد الأوروبية في التعامل مع المرأة.
تستوقفني أكثر من مرة وبفضول طفولي وهي تسال
انتم لا تقطنون هنا.....انتم تسكنون هناك.....حول السوق-
ابرز لها ثانية و بدون كلل انه  لا مشكل   في السكن وسط المدينة أو حتى قرب فندق ما دمت تملك الإمكانيات المادية اللازمة  لذلك.
لا يمنع اعتداد ليزافا بجمالها أن تثني على الشعر الحالك السواد والعيون المستديرة للنساء هنا. كما أنها لا تتورع أن تخلع على الطفلات الصغيرات بتسريحتهن الطفولية ولباسهن المتواضع صفات الإمارة.
تتذكر ليزا حركة باللسان تقوم بها بعض النساء ممن وصفتهن بالمغاربة في إحدى المسلسلات البرازيلية elclon!..نعم هكذا قالت!..تقول انه عرض في روسيا و تدور أحداثه حول عائلة مغربية هاجرت إلى البرازيل..افطن إلى أنها تعني الزغرودة والغريب أنها كانت تظن أننا نفعلها جميعا  ! بل وكلما اجتمعنا! وتستفسر عنها كما لو كانت نوع رياضي بقواعد حقيقية!
أحسست أن الحديث أخدني ولم اعد أتحمل الحرارة فهي لا زالت بلباس البحر تجلس على طرف فوطتها أما أنا فحرارة الرمال الساخنة تكاد تصيبني بالشلل.
اتململ استعد للمغادرة .هي عائدة في كل الأحوال إلى بلادها صباح الغد ولا سبيل للمزيد معها  . بينما لا تستبد بي في هذه اللحظة إلا الرغبة في الاحتماء من شمس هذه الظهيرة الفائضة.
أمد يدي إليها مودعا.   فتفاجئني برفضها مصافحتي. يخال لي للحظة أنها تمزح. غير أنها تصر والابتسامة تعلو محياها .تتبادر لذهني قصص حليقي الرؤوس وروسيا. تنقبض أساريري شيئا ما. تكرر اعتذارها.   تبدو لي صادقة رغم كل شيء
أودعها قائلا
-تشرفت بمعرفتك
تهمس بصوت خافت رغم انشغالها بلملمة أغراضها

!هو شرف عم الجميع

بقلم

جوبا محمد ايدار