sete_7amdia

شخصية القصة واقعية باسم مستعار

لم تكن كباقي النساء اللائي عرفتهن,فقد لمحت في منظرها المنتصب ووقفتها المهيبة , يوم زواج ابنتها, صورة امرأة عظيمة عرفت كيف تجمع بين حنان الام وقسوة الاب , بين قلب رحيم وقلب صارم لا يضع حسابا للمشاعر,بين أنثى رقيقة الشعور وسيدة عرفت كيف تضع أحاسيسها جانبا لتحكم بقبضة من حديد أسرتها الصغيرة فتصل بأبنائها واحدا تلو الاخر الى بر الأمان.

**********
كانت "الست حمدية" سمراء فارعة الطول,بصمت سنوات الزمان آثارها على جسد عاش أكثر من ستين سنة. التقيتها مرة في السوق , تحمل قفة خضر أثقل مما تقدر عليه; وتساوم البائع تلو الاخر عن مشتريات تعرف في نهاية المطاف كيف تقتنيها بأبخس الاثمان , لتودع بائعها بعد ذلك بابتسامتها المعهودة التي جعلتها زبونة دائمة في سوق حينا.
أحييها, فتقف لتحضنني وتبلغ سلاماتها لكل أفراد أسرتي كل واحد باسمه , رغم أنها لا تعرف عنهم سوى الاسماء; تطلب مني أن أوجه الدعوة لوالدتي لتزورها , رغم أن الظروف لم تسمح لها أبدا بزيارة أمي .

كانت تحب الضيوف كثيرا ,وتبالغ في اكرامهم , ذبائح شهرية في منزلها بمناسبة أو بدونها. تكره أن يبدو بيتها فارغا; وكانت دائما توجه دعوات لجاراتها من أجل الاجتماع عل لحم مشوي ببراد شاي , تجهزه بكرمها اللبق لتقدمه لجاراتها الغاليات اللواتي لا تترددن في تلبية رغبتها طمعا في كسب رضاها أو رغبة في الانسلال من طبخ طعام الغذاء لعائلاتهن, فقد كانت مؤونة يوم الدعوة عند  "الست حمدية " يوم عيد بالنسبة لهن:يشبعهن بطونهن الجائعة ويغادرن وبحوزتهن جراب مليء بأشهى ما تبقى من أكل لباقي أفراد الاسرة.
كانت صحيحة البنية في مظهرها ,رغم تجربة السنين الطويله التي أمضتها رفقة أسرتها:بنات كثيرات وأولاد أكثر, نجحت في تحقيق مطمع كل واحد منهم. وكانت رغبتهم في عدم اتمام الدراسة قد جعلتها تحترق ألما ; لكن الامر لم يمنعها من بيع كل مجوهراتها وأراضيها وممتلكاتها من أجل اقحامهم في مشاريع تجارية تعود عليهم بربح يجعلهم يواصلون عيش حياة كريمة دون ذل السؤال وطلب العون من الاخرين.
كانت الآمرة الناهية في منزلها; حتى أكبر أبنائها السبعة الذي جاوز سنه الاربعين يقف ساكنا أمامها ان تكلمت ويلبي فورا قراراتها.رأيتها تحرك بكلمة واحدة زوجات أبنائها الخمسة اللواتي يقطنن معها في نفس المنزل الكبير.أسلوبها لم يجعل أي واحدة منهن تفكر في الاستقلال بسكنها, فقد كانت تسيرهن جميعا , ليس غصبا ولكن لأنها الام الكبيرة التي كانت مثلما تأمرهن وتلومهن اذا أخطأن, فانها تلوم أبنائها أكثر وحتى بناتها اذا أخطأ واحد منهم في حق الزوجات. منذ ولجن بيتها , تعاملهن مثل بناتها: أوامرها تنفذ فيكنَّ بعدها "على العين والراس".
سألت يوما احدى كناتها:هل تحبين حماتك؟ فصرخت في وجهي قائلة :هي ليست حماتي , انها أمي التي لم أرها طويلا , أحبها حينما تأمرني وأحبها أكثر حينما تزجر زوجي عندما يغضبني وأحبها أكثر وأكثر وأكثر حينما تهديني فستانا جديدا لارضاء زوجي.

كل هاته الصرامة والقوه , وكل تلك النشاطات التي تقوم بها "الست حمدية " والتي تكلف جهدا ماليا كبيرا وضغطا ماليا أكبر, جعلت الاشخاص يحسدونها على صحتها وصبرها , لكن أمرا غريبا أبت أن تخبره احدا الا أقرب المقربين منها; فقد كانت"الست حمدية" مصابة بمرض قلب مزمن وبارتفاع الضغط الدموي وانتفاخ في الغدة الدرقية ; أمراض كثيرة لم تستطع أبدا التأثير على هاته السيدة العظيمة , بل جعلتها تحب الحياة أكثر وتواصل عيشها كيفما يحلو لها رغم كل النصائح الطبية الموجهة اليها .

*********

رأيتها ذلك اليوم, تقف شامخة وهي تودع أصغر بناتها المتوجهة لدار زوجها بعد ليلة عرس طويلة. دموع المودعات وأصواتهن كانت كافية لابكاء الصخور; لكن السيدة "حمدية" كانت واقفة أثبت من الصخرة, لم تذرف دمعة ولم تبتسم ابتسامة. كانت ترى ابنتها تبكي , لكنها لم تحرك ساكنا.

اختلست النظر اليها بعدما أتعبتُ عيناي بكاء أثناء توديع العروس, فرأيتها صامدة... أرعبني منظرها مثلما أدهشني وأعجبني; فقد تيقنت من نفسي أنها في تلك اللحظات كانت تحمد ربها الذي أدام في عمرها حتى ودعت آخر أبنائها, لتكمل رسالتها وتصل بفلذات كبدها جميعا لبر الأمان

بقلمي