rissani_03

قصـة قصيرة بقلمي

سئمت من الملل الكبير الذي أصابني , ومن حالة اليأس التي كنت عليها طيلة الاسبوع , غيرت ملابسي واقفلت باب منزلي , قدت السيارة لا أعرف لي وجهة ; ولم يكن في مشاريع مساري اي قرار ; فلم اكن ابغي سوى استنشاق هواء جديد وتغيير الروتين الذي صار يقيد حياتي فيحولها مللا دائما وقنوطا لا يزول

لم أعرف اين كانت وجهتي , غير اني اخترت موقع الجبال , طريق خالية تتوسطها مناظر خلابة بهرتني كثيرا; وكما عادة كل صباح باكر , فقد كان الفراغ يسود الطريق الوعرة ; فراغ زادني مللا واحساسا باليأس ... فجأة اوقفت يدي المرتجفتين سيارتي عند مقدمة حشد هائل لم أعرف سبب وجوده ; حشد لبدو اجتمعوا ; فكان اجتماعهم سببا لقطع الطريق الرئيسية.ترجلت عن سيارتي وسألت أحدهم عن المكان الذي كنت أجهله تماما ; فأجابني بلهجة البدو البسيطة :

انه سوق الحمير يا سيدي ; مرحبا بك مرة في الشهر

اضحكني الاسم مثلما استغربت له كثيرا ; فقد عرفت ان هناك سوقا للخضر والفاكهة , وآخر للملابس الجاهزة والمستعملة, وثالثا للبهائم , وأسواق اخرى للسيارات ; لكني ابدا لم اسمع ان هناك في بلدي سوقا للحمير , بلدي التي عاصرت التاريخ الحديث ; فكان للتمدن وللعصرنة  اثرا كبيرا على سكانها الذين نسوا او بالاحرى تناسوا الاصل البدوي فيهما , وأول الناسين أنا
ركنت سيارتي قرب السوق ; وقررت القيام بجولة ارى فيها هذا المكان العجيب الذي أسمع به لأول مرة في حياتي

هناك في الزاوية حشد يضم سبعة رجال التفوا حول شيخ عجوز , يقدم لهم حمارته العزيزة (كما وصفها) ; شاخيرا ; حسب قوله فإنها فتية في السابعة من عمرها , ولها قدرة كبيرة على تحمل ثقل منتوجات فلاحية ,,,;;لاحظت الحزم الشديد في عيون العجوز الذي يقدم عزيزته للبيع ويؤكد لأحد الشارين ان ظروف الحال هي التي جعلته يحاول بيعها , فشاخيرا مولودة بين يديه ولولا الحاجة لما فكر ابدا في ذلك
وهناك في وسط السوق ; حشد اكبر ; ملتف حول شاحنة تضم حميرا كثر ,مزاد ينظمه احدهم حول ازواج ; حمار واثان بالجملة ; فلا يقبل بغير شراء الزوج معا , سمعت المزايدات هنا وهناك :15 قطعة زلخ .....................20قطعة ................320 زلخة
320 زلخة للحاج بكر , 320 زلخة للحاج بكر ............مبروك
نطق احدهم من بعيد ووجه الخيبة باد عليه : عرفت ان الحاج بكر سيكون صاحب المزاد , خسارة ; حمارة من النوع الرفيع ; وتابع حديته بقهقهات محسوبة ..

استمريت في جولتي, بين حشد واخر , حمير من جميع الاشكال , سوداء وشهباء , ذكورا واناث وحتى الجحوش تجدها نظرة هناك , يتفنن اصحابها في مدحها وذكر محاسنها : هذا كالفانو; وفَالْكْ , وذاك ديمو وجوكر , واخرى فاطْسِي ومارونا , والصغار داني ويُوسُو..............أسماء لم أعرف معانيها ابدا ; واستغربت لانها عجمية الشكل رغم بساطة وبداوة اصحابها.
سألت أحدهم عن السوق فأخبرني انه يقام مرة في الشهر , في ليلة اكتمال القمر , منطقة ""ايزم"" والتي تضم السوق(لم اسمع بها يوما) تعرف هذا النشاط منذ مدة ; والذي يرجع بالحيوية على رواج التجارة بها , ويدخل ارباحا طائلة على سكانها
قادتني عيناي الى مكان كتب فيه""راحة الاحباب"" مرحاض.تذكرت ان لي حاجة اقضيها هناك ; هممت بالدخول , فسألني أحدهم بلهجته الايزمية التي اكاد لا افهمها : اين رفيقك , بدت علامات الاستفهام على وجهي , فأردف قائلا : اين حمارك ...سكتت فضحك لانه علم اني غريب عن المنطقة  وليس لدي حمار فقال لي بوجهه البشوش والذي أحسست بسخريته مني : هذا بيت راحة للحمير يا سيدي
رجعت واذيال الخيبة تجرني , وعجبت من مكان وجدت فيه راحة للحمير والا توجد للبشر امثالي ; اصحاب السيارات الهاربين من ضجيج المدينة
في سوق الحمير كل شيء منظم :طبيب بيطري يكشف عن كل حمار يدخل السوق , ليس خريج اي كلية طب , لكنه شيخ قرية  علمته السنون كيف يفصل بين حمار وحمار ; وكيف يقيم حالة الصحة لدى كل واحد منهم .

في سوق الحمير , باعة يقدمون اجود انواع الحشائش والعلف ; لمن أحس بجوع حماره فأراد ملء معدته  ليصبح هدفا جيدا لمن يريد الشراء
في سوق الحمير كل شيء مخصص للحمير , عالم مستقل بذاته , لا تجد سوى بائعا وحيدا خارج اسوار السوق , جعل من طاولة قديمة وبعض الاواني المهترئة وسيلته لبيع بعض المأكولات الخفيفة التي شبع منها الذباب قبل ان يشتريها بعض البدو الفقراء....
تابعت جولتي بين الحشود  والناس ; وكلي ابتهار بهذا المكان العجيب , فبعد ضحكي منه اول مرة واستغرابي من وجوده; صرت مبهورا بهذا العالم الجديد الذي  اكتشفته ; عالم بسيط جدا , عالم حمير يحاول اصحابها البسطاء منحها للاخرين وبيعها مقابل لقمة عيش يؤمنون بها الباقي من حياتهم
سوق بقدر ما جمع من فقروسوء احوال البعض , بقدر ما جمع اجناسا من أغنياء المدينة الذين قدموا من اجل اقتناص الفرص وملء مزارعهم الفارعة باجناس من حمير قد تفيدهم او قد يجعلونها زينة يتباهون بها في اجتماعاتهم الباذخة

حل ظلام الليل وبدأ السوق يفرغ من رواده , توجهت نحو ,سيارتي لاختيار طريق العودة , وجدت وجها يحمل حقيبة فوق ظهره , يبتسم لي قائلا : "مرحبا بك في الشهر القادم ; وأتمنى ان تكون من المشترين" تذكرت هذا الوجه الذي حرمني من قضاء حاجتي , ابتسمت له وركبت سيارتي , عائدا لمنزلي; وكلي ذكريات عن مكان جميل قضيت فيه يوما لا ينسى من ايامي المملة ووعدت نفسي بالعودة اليه في الشهر القادم